محمد أبو زهرة

18

المعجزة الكبرى القرآن

السؤال جاء على ألسنة المشركين معترضين ، متخذين منه سبيلا للجاجتهم ، وقد نقل القرآن الكريم عنهم ذلك ورده . فقد قال تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ( 32 ) [ الفرقان : 32 ] . ونرى أن النص الكريم قد نقل اعتراض المشركين ، ورده سبحانه وتعالى عليهم ، وقد تضمن الرد ثلاثة أمور تومئ إلى السبب في نزوله منجما : أولها : تثبيت فؤاد الرسول بموالاة الوحي بالقرآن فإن موالاته فيها أنس للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وتثبيت لعزيمته ، وتأييد مستمر له ، فيقوم بحق الدعوة بالجهاد في سبيلها ، وإذا كان المرء يستأنس بوليه إذا والى الاتصال به فكيف لا يستأنس رسول اللّه تعالى بلقاء الروح الأمين الذي يجيئه بكلام رب العالمين في موالاة مستمرة . ثانيها : أن تثبيت الفؤاد بنزول القرآن يكون بحفظ ما ينزل عليه جزءا جزءا ؛ ذلك أن هذا القرآن نزل ليحفظ في الأجيال كلها جيلا بعد جيل ، وما يحفظ في الصدور لا يعتريه التغيير ولا التبديل ، وما يكتب في السطور قد يعتريه المحو والإثبات والتحريف والتصحيف ، ولأن اللّه تعالى كتب للقرآن آن يحفظ ، كان يحفظ جزءا جزءا ، وكان ينزل مجزأ ليسهل ذلك الحفظ ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم حريصا على أن يحفظه عند نزوله ، فكان يردد ما يتلوه عليه جبريل ويتعجل حفظه ، وقد قال اللّه سبحانه وتعالى لنبيه في ذلك : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ( 19 ) [ القيامة : 16 - 19 ] . وترى من هذا النص حرص النبي صلى اللّه عليه وسلم على أن يحفظ ما يوحى إليه ، فيحرك به لسانه مستعجلا الحفظ فينبهه اللّه تعالى إلى أنه يتولى جمعه وإقراءه له ، وأنه مبينه وحافظه ، كما قال تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 ) [ الحجر : 9 ] . الأمر الثالث : هو ترتيل القرآن بتعليم تلاوته ، وإن هذا النص يستفاد منه أن تلاوة القرآن وطريقة ترتيله هما من تعليم اللّه تعالى ، إذ إنه سبحانه وتعالى ينسب الترتيل إليه تعالت قدرته وكلماته ، وعظم بيانه . فنحن بقراءتنا وترتيلنا إن أحكمناه إنما نتبع ما علم اللّه تعالى نبيه من ترتيل محكم جاء به التنزيل ، وأمر به النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى : وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ( 4 ) [ المزمل : 4 ] ، وما كان تعليم هذا الترتيل المنزل من عند اللّه تعالى ليتوافر إذا لم ينزل القرآن منجما ، فلو نزل جملة واحدة ما تمكن النبي صلى اللّه عليه وسلم من تعلم الترتيل ، ولو علمه اللّه تعالى بغير تنجيمه ما كان في الإمكان أن يعلمه قومه وهم حملته إلى الأجيال من بعده . هذا ما يستفاد من النص الكريم المتلو ، وعبارته السامية فيه واضحة بينة تشرق بمعانيه العالية الهادية الموجهة المرشدة .